الحمدلله و الصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم
في بادئ الامر اشكر الاستاذ الفاضل معتز الجعبري الكاتب الاسلامي من المملكة الاردنية الهاشمية على ثقته بي و على انه ان شاء الله تعالى ساعمل جاهدة لاجل وضع كل قصص المعبرة الطيبة والان ساترككم مع القصة
البوصلة
قصة قصيرة
بقلم : معتز الجعبري
تتشابك أمامها تفاصيل مملة. وتتكرر أمام ناظريها تفاهات العمل المكتبي… تلوذ من هموم أطبقت على نفسها إلى ثرثرة مع صديقات تلوك ألسنتهن كل شيء تقريباً: وسامة نجوم السينما والرياضة، روعة أو تفاهة آخر الموضات والقصات والأغاني والكليبات والموبايلات والنغمات، ويتندرن على لحظات بوح عاطفية جديدة لإحداهن…
ترتاد مع ذات الصديقات مطاعم تجمع بينها روائح زكية ومذاقات رديئة تطغى عليها بهارات وصلصات لاتينية أو صينية، لا فرق…
تقضم شطيرة… تتركها لا عن شبع بل عن ملل. تتسكع مع صديقاتها في شوارع وحدائق وأسواق السأم دون هدف، يضحكن وهن يستمعن إلى تعليقات صعاليك المساء، يقلبن معروضات المحال من الأقمشة والملابس والحقائب.
ترجع إلى البيت لتجد أماً متلهفة لسماع أخبارها في ذلك اليوم.. تبدأ بطرح أسئلتها المعتادة ونقل أخبار الجارات والأقارب، لكنها كانت تجيب أو تعلق على كلام أمها بكلمات مقتضبة من حرفين أو ثلاثة.
صمتها أمام الأسئلة ليس بجديد على أمها فإنه يحدث في كل ليلة وكانت تتقبله المسكينة دون أن يفتر حماسها لتكرار ذات الأسئلة بشكل يومي. لكن ما حدث الليلة كان مختلفاً أو صاعقاً، فقد فوجئت الأم بعاصفة توبيخ لم تتوقعها… فغرت فاها ولم تتلفظ بكلمة واحدة.. وانصرفت إلى غرفتها..
أما سوزان فقد ارتمت على الكنبة وقد أفجعتها فعلتها… كيف أقدمت على هذه الجناية؟؟ وزاد من حزنها أن والدتها لم ترد بكلمة واحدة… قالت: "لماذا لم توبخني؟؟ لماذا لم تصفعني؟؟ لماذا لم تطردني من المنزل؟ لماذا لم ترفع يديها للسماء فتدعو عليّ أو تلعن اليوم الذي أنجبت فيه بنتا بهذا السوء؟؟ يا ليتها انتصرت لنفسها بشيء"
ولم تعرف ما الذي يمنعها من الذهاب إلى غرفة أمها لتقبيل يديها وقدميها والارتماء في أحضانها…. أخرجت "سيجارة" من حقيبتها وأشعلتها وأصابعها ترتعش، ومن الجرعة الأولى بدأت في السعال فهي ليست مدخنة، وتفعل ذلك دون رغبة، تماما كما تذهب إلى تلكم المطاعم وتقضم فيها شطائر لا تحبها، وتخوض مع صديقاتها في أحاديث باهتة لا تحبها، أو تتسكع في شوارع رمادية تائهة، أو تدير الصندوق الأسود مقلبة بين محطات تجتر رومانسية تافهة. أو تستمع إلى أكاذيب باطلة أو بطولات كاذبة لشباب أثناء دردشات على الإنترنت.. ثم نفثت دخانا أزرق يشبه تلك الأكاذيب والبطولات.
فكّرت باختلاس النظر إلى غرفة أمها لعل لقاء العيون يكون اعتذاراً، لكن أقدامها لم تحملها على ذلك… مدت يدها ثانية داخل حقيبتها لتخرج "سيجارة" أخرى لكن أصابعها أمسكت بكتيب صغير أخرجته فتذكرت زميلتها صفاء التي ألحت عليها لقبوله. كانت لا تكره صفاء ولكنها كانت لا تحبها أيضا، وكانت تنفر من تقرّبها المقصود ومواعظها المباشرة، وكانت تشمئز من نقابها.
لم يسبق أن رأت وجه صفاء بدون نقاب، لم تكن تأبه لرؤية وجهها لكن الفضول اشتعل بعد أن قالت إحدى صديقاتها أن لصفاء وجها ذميما، وآثاراً لندوب أو حروق تحرص على إخفائها خلف ذلك النقاب وهذا يفسر رفضها خلعه في مكان العمل.
أمسكت سوزان ذلك الكتيب وهي تسند رأسها على وسادة الكنبة ولفت انتباهها عنوانه الغريب "البوصلة"، بدأت تقرأ في الكتيب:
"ليس العجب من مملوك يتذلل لله تعالى، ويتعبد له، ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه، إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه…
قال الله تعالى في الحديث القدسي: إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويُـعبد غيري أرزق ويُـشكر سواي. خيري إلى العباد نازل وشرهم إليّ صاعد. أتودد إليهم برحمتي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إليّ..
أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إليّ فأن

















